الغزي

48

نهر الذهب في تاريخ حلب

والشجرية ، وقليلا ما يحصل ضرر من الريح الشرقية ، وقد تضر بعض الزروع إذا هبّت شتاء وتزداد نكاية الحر بهبوبها صيفا ، ولربما حشرت الجراد من الشرق . وأما الريح الجنوبية فهي نادرة عندنا جدا ولا خطر لها إذا هبّت شتاء ، وإذا هبت صيفا زادت قوة الحر وجلبت معها السموم . تراب حلب وأما ترابها فهو من أحسن أتربة البلاد ، تنجب فيه جميع الزروع والغروس التي تنجب بالأقاليم المعتدلة . والغالب على لون أتربة حلب البياض والحمرة والخلو من المادة الرملية وكثرة الصلصالية . ويوجد في حلب كثير من البساتين التي تزرع في السنة أربع مرات . ومع هذا فلا تقصر عن غيرها . والسّرجين العام لتربة حلب فضلات الإنسان والحيوان والنبات ونحو ذلك قال ياقوت في معجم البلدان : وشاهدت من حلب أعمالها ما استدللت به على أن اللّه تعالى خصها بالبركة وفضّلها على جميع البلاد . فمن ذلك أنه يزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدّخن والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذيا « 1 » لا يسقى إلا بماء المطر ، ويجيء مع ذلك رخصا غضا ربما يفوق ما يسمى بالمياه والسّيح « 2 » في جميع البلاد . وهذا لم أره فيما طوفت من البلاد في غير أرضها . أقول : ليس ما ذكره ياقوت من أنواع الشجر والنبات فقط يعيش عذيا في حلب ، بل هناك أنواع كثيرة من الشجر والنبات الذي لا يعيش في غير تربة حلب إلا سقيا ، ويعيش وينجب فيها بعلا « 3 » لا يسقى بغير ماء المطر ، وذلك كالجوز واللوز والرمان والتوت والفستق والبندق والكرز والكمّثرى ، وكاللوبياء والفاولة والبامية والطماطم والباذنجان ، وأنواع اليقطين والخروع « 4 » والتبغ ، وبالإجمال جميع أنواع النباتات الربيعية والصيفية ، وكلها تجود وتخصب عذية بقدر جودة فلاحة الأرض وتسميدها وعمقها . ومن جملة أنواع النبات الذي ينبت بنفسه دون استنبات ، ويجود وينبج دون أقل عناية ،

--> ( 1 ) الدّخن : نبات له حب صغير أملس كحب السمسم . والعذيّ : الذي لا يسقيه إلا المطر . ( 2 ) السّيح : مصدر ساح الماء : سال وجرى . ( 3 ) البعل : الزرع يشرب بعروقه ، فيستغني عن السقي . ( 4 ) الخروع : نبت يؤخذ من ثمره زيت مسهل .